أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
22
العقد الفريد
يوم الهباءة : لعبس على ذبيان ثم اجتمعوا فالتقوا في يوم قائظ إلى جنب جفر الهباءة « 1 » ، واقتتلوا من بكرة حتى انتصف النهار ، وحجز الحرّ بينهم ، وكان حذيفة بن بدر يحرق فخذيه الركض ، فقال قيس بن زهير : يا بني عبس ، إن حذيفة غدا إذا احتدمت الوديقة « 2 » مستنقع في جفر الهباءة فعليكم بها . فخرجوا حتى وقعوا على أثر صارف ، فرس حذيفة ، والحنفاء ، فرس حمل بن بدر ، فقال قيس بن زهير : هذا اثر الحنفاء وصارف ، فقفوا أثرهما حتى توافوا مع الظهيرة على الهباءة . فبصر بهم حمل بن بدر ، فقال لهم : من أبغض الناس إليكم أن يقف على رءوسكم ؟ قالوا : قيس بن زهير ، والربيع بن زياد ، فقال : هذا قيس بن زهير قد أتاكم فلم ينقض كلامه حتى وقف قيس وأصحابه على جعفر الهباءة ، وقيس يقول : لبيكم لبيكم ! يعني إجابة الصّبية الذين كانوا ينادونهم إذ يقتلون ! وفي حذيفة وحمل ابنا بدر ومالك بن بدر ، وورقاء بن خلال من بني ثعلبة ابن سعد ، وحنس بن وهب ، فوقف عليهم شدّدا بن معاوية العبسي ، وهو فارس جروة ، وجروة فرسه ، ولها يقول : ومن يك سائلا عني فإني * وجروة كالشّجا تحت الوريد « 3 » أقوّتها بقوتي إن شتونا * وألحفها ردائي في الجليد فحال بينهم وبين خيليهم ، ثم توافت فرسان بني عبس ، فقال حمل : ناشدتك اللّه والرحم يا قيس ! فقال : لبيكم لبيكم ! فعرف حذيفة أنه لن يدعهم ، فانتهر حملا وقال : إياك والمأثور من الكلام ! فذهبت مثلا ، وقال لقيس : لئن قتلتني لا تصلح غطفان بعدها ! فقال قيس : أبعدها اللّه ولا أصلحها ! وجاءه قراوش بمعبلة « 4 » فقصم صلبه ، وابتدره الحارث بن زهير وعمرو بن الأسلع ، فضرباه بسيفهما حتى ذفّفا « 5 »
--> ( 1 ) جفر الهباءة : مستنقع في بلاد غطفان ( 2 ) الوديقة : حرّ نصف النهار ( 3 ) الشجا : ما اعترض ونشب في الحلق من عظم أو نحوه ( 4 ) المعبلة : نصل طويل عريض ( 5 ) ذفّف عليه : أجهز عليه